و أرتاح نيرون ـ خالد خليل قنديل

المصريون

خالد خليل قنديل

العالم كله يعلم و يتحدث و يكتب عما يحدث في مصر مؤخرا من تكالب كافة أجهزة الدولة و مؤسساتها المختلفة لمؤازرة الحزب الحاكم بكافة الطرق الشرعية و الغير شرعية للقضاء علي أية فرصة أو أمل لاستمرار أية شخصية وطنية علي المسرح السياسي يمكن أن يكون لها قدرة تنافسية أمام جمال مبارك مرشح الحزب الوطني المنتظر لانتخابات الرئاسة المقبلة.

و قد يكون الرأي العام غير قانع بقدرات المنافسين، أو أن احتمال تنافسهم قد لا يزيد عن كونه نوعا من التمثيل المشرف، إلا أن مؤسسات الدولة لن تجازف بأية انتخابات نزيهة تسمح فيها باستطلاع حقيقي للرأي العام،

كما أن الكل يعلم أن جمال مبارك ليست لديه أية فرصة للمنافسة مع أحد من الكفاءات المصرية الحقيقية لولا أنه يتمتع فقط بكونه نجل الرئيس. و الكل يعلم أن الدستور لا يعطي أية صلاحيات لنجل الرئيس، و لا حتي لأمين لجنة السياسات بالحزب الوطني. إلا أن كافة مؤسسات الدولة تعطي جمال مبارك كافة الصلاحيات، و التي لا يمكن لأحد أخر أن يحصل عليها غير الرئيس مبارك، بسبب أنه نجل الرئيس.

و لهذا فإن فرصة جمال مبارك الوحيدة تكمن في عهد والده، و التي لا يستطيع أحد نكران شعبيته، و إن كنا لا نتفق مع ما تدعيه أبواق النظام من حجم هذه الشعبية.
و جمال مبارك لا يحتاج للسعي ليصبح رئيسا للجمهورية. فأجهزة الدولة مثل الأوركسترا المتمرسة في عزف ألحان الخلود، و هي دائما ما تعزف لبقاء الحاكم إلي أبد الأبدين. و التحدي الحقيقي يكمن في كيفية ربط مبارك و نجله في فترة بقاء واحدة و هو من الناحية المنهجية يختلف عن محاولات أجهزة الدولة في السابق تخليد كل من عبد الناصر و السادات خلال فترة حكمهم.

و العالم كله يعلم أن ارتباط المصريين بحاكمهم ينتهي بحياة الحاكم نفسه، فعبد الناصر انتهت أسطورته بعد مماته، و السادات نساه شعبه بعد اغتياله، و المصريون لا يخلدون أحدا بعد موته.

و الكل يعلم أن محاولة تمديد السلطة لجمال مبارك هي لعبة سياسية لها مخاطر قد تودي باستقرار مصر و أمنها، و الكل يعلم أن جمال مبارك ليس لديه من الرصيد الشعبي أو التأييد الجماهيري الذي قد يساعد علي إنجاح هذه المحاولة. إلا أن لا أحد يهتم بما قد يحدث لمصر. فالكل مشغول في سباق إرضاء نجل الرئيس، طالما الرئيس مازال حيا.

و محمد أنور عصمت السادات هو أخر ضحايا دولة الحزب الحاكم، و قصة أنور السادات من المسرحيات الهزلية التي لا تحتاج للكثير من الأدلة. فما بين حشد غير مسبوق لأعضاء مجلس الشعب من الحزب الوطني للحضور إلي العاصمة و المبيت بها للتصويت علي إسقاط النائب السادات في ثمانية و أربعين ساعة، و في الوقت الذي كان من المفترض أن يكون أعضاء الحزب الوطني مشغولين بالاستعدادات التي تجري لانتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى في عدد كبير من الدوائر علي مستوي الجمهورية، و قرار المجلس بعدم استعمال حقه في التروي بضعة أيام انتظارا لحكم محكمة النقض، و الإصرار علي الاعتماد علي حكم محكمة أول درجة لإسقاط عضوية النائب، ثم قرار المجلس نفسه بعدم الاهتمام بحكم محكمة النقض و الذي ألغي حكم الإفلاس و طالب بوقف تنفيذ كافة الأحكام المترتبة علي الحكم الملغي. و من العجب أن نجد أن مجلس الشعب و الذي أعلن أنه كان مضطرا بحكم القانون للانصياع لحكم محكمة أول درجة، لم يهتم بما جاء في حكم النقض لدرجة إعلانه أنه لا وصايا للقضاء علي مجلس الشعب، و أن مجلس الشعب هي الجهة الوحيدة التي تملك إرجاع النائب، و لكنها لم ترجعه. ثم يجئ الفصل الختامي بإعلان وزير الداخلية عن خلو مقعد تلا – فلاحين – و تحديد يوم 16 يوليو موعدا للانتخابات، بالرغم من أن هناك عددا من المقاعد الشاغرة بالمجلس لأسباب مختلفة لم يتم الإعلان عن خلوها أو فتح باب الترشيح بها حتى الآن و كان قد مضي علي خلو تلك المقاعد أكثر من عام.

و لم يتقدم أحد للترشيح سواء من المستقلين أو من أحزاب المعارضة، و لم يتقدم إلا مرشح الحزب الوطني. و تقدم النائب السادات باستشكال للقضاء الإداري لوقف قرار وزير الداخلية و تمكنه من ترشيح نفسه مرة أخري بدائرته. و حكمت محكمة القضاء الإداري بإيقاف قرار وزير الداخلية و تأجيل الانتخابات. إلا أن قضاء مجلس الدولة بناء علي طعن من وزبر الداخلية أوقف قرار المحكمة الإدارية و أيد إجراء الانتخابات في موعدها، و فاز مرشح الحزب الوطني بالتزكية.

و يذكر للنائب السادات أنه كان من الأعضاء المستقلين المحترمين بمجلس الشعب، و قبل أن ينضم السادات لحزب الجبهة الديمقراطية أصر علي أن يستطلع أراء أبناء و بنات دائرته علي أهداف و مبادئ الحزب و الأسباب التي دعته للانضمام للجبهة الديمقراطية. و لم يوافق السادات علي الانضمام لتأسيس الحزب إلا حينما وجد تأييدا جارفا من مواطني الدائرة. و أنور من المصريين العاشقين لمصرية المصريين و هو ابن بلد أصيل و في نفس الوقت علي درجة عالية من الثقافة السياسية الواعية و المسئولة، و بعيدا عن دوره السياسي فهو من القانعين بالدرجة الأولي بالمناصرة الحقيقية و الفعالة للفقراء. و هو من الذين اهتموا من خلال عضويته بلجنة تقصي الحقائق بالوصول للمسئولية السياسية في قضية غرق العبارة، كما أنه قد تسائل مؤخرا عن مدي استفادة المواطن المصري من احتكار القطاع الخاص في إدارة ميناء العين السخنة الجديد عن طريق احدي الشركات و التي يديرها عمر طنطاوي و ما يقال عن إنه أقرب أصدقاء جمال مبارك، و من بيع الغاز المصري لإسرائيل و دور حسين سالم في إنهاء الصفقة، و ما يقال عن إنه من أقرب أصدقاء الرئيس مبارك.

كما يذكر للنائب السادات مشاحناته المستمرة مع الأستاذ مصطفي بكري الصحفي و العضو المستقل، و كان الأستاذ بكري قد توعد في أكثر من مرة بالتصدي للنائب السادات لصفته الشخصية و لكونه أيضا من عائلة السادات.

و بخروج أنور السادات من مجلس الشعب، إرتاح نيرون ،

إلا أن الكل يعلم أنه سيظهر أحد أخر يضايق مزاجه و يحرج قدراته، فمصر ولادة ، إلا أنه كالعادة سيهرع كبار مسئولي الدولة في تكريس مؤسساتها للهتك بمن يضايق نيرون.

عضو مؤسس بحزب الجبهة الديمقراطية

0 comments :

إرسال تعليق