المُلاك قبل الحكام.. أحيانا

المصرى اليوم

بقلم سحر الجعارة

سعر طن الحديد قفز من ٣٢٧٠ جنيها إلي ٣٥٠٣ جنيهات، عادي، بل عادي جدا.. إنه قرار الرجل الحديدي أحمد عز الذي ملّ مجاملة الحكومة بتثبيت السعر، وخسارة أصفار جديدة تضاف إلي يمين ثروته!

«السوق عطشان» بلغة البيزنس، وحديد عز يباع في اليوم التالي لإنتاجه من شدة الطلب عليه.. ما المشكلة في أن يستحوذ رجل أمانة السياسات علي حديد الدخيلة أو يحتكر سوق الحديد بأكملها؟ الرجل مسؤول عن تمويل أنشطة الحزب الحاكم وحملاته الانتخابية وأبواقه الإعلامية، ثم إنه صورة للرأسمالية الجديدة التي تقوم بخصخصة عكسية - علي حد تعبيره - وتشتري حصة الشريك الأجنبي الذي يقوم بدور «المحلل» في عملية الخصخصة! كفانا حقدا طبقيا، وترويجا لأفكار اشتراكية.

لقد جاءت المحاكمة البرلمانية لعملية الخصخصة متأخرة جدا، جاءت بعد أن ضاعت أصول البلد، وأصبح صوت المشتري أو السمسار أعلي من صوت القانون، وأكثر فاعلية من الدستور.

أنا مثل ملايين الحالمين في هذا الوطن، كنت أحسب أن لي متر أرض في صحراء البلد وحفنة رمل، لا تتسلل من قبضة يدي حين أشيد بها بيتا علي أحد الشطآن.

كنت أحسب اسمي محفورا علي أحجار الأهرامات، وأن هناك قيمة ما لقيدي في سلسلة الأرقام القومية لكنني اكتشفت فجأة أن أفكاري محض رومانسية فارغة!!

لقد وقف النائب أنور عصمت السادات تحت قبة البرلمان يعدد التجاوزات التي تمت في عملية الخصخصة، لكن قطار تفتيت البلد انطلق ولن يوقفه أحد، سيدهس في طريقه العمال المطحونين، ويضيف الآلاف إلي جيش العاطلين، ويسجل مصر باسم مجموعة من الرجال استثمروا الملايين في مجال السياسة، ليحصدوا المليارات بقوة السلطة.

نحن نكتب عن فراش المتعة المحرمة بين السلطة والثروة، لكنهم حولوا تلك العلاقة المؤثمة إلي زواج كاثوليكي، لا يملك إنسان أن يفرق أطرافه!

لا استجواب النائب مصطفي بكري يهز عرش أحمد عز، ولا يطال أسوار مملكته المكهربة بالخوف من نفوذه الواسع، ولا ربط البيع بالأمر المباشر بصداقة رجالات الحكم ستلغي صفقات، أو تعيد أموالا مهدرة!

حين يتحول الوطن إلي جماعة مصالح، تنتقل الملكية من الشعب إلي عدة أفراد في إقطاعية مغلقة، لهم الحكم وعلينا الطاعة.

لست ساذجة لأتصور أن كلماتي أقوي من استجوابات نواب الشعب، ولا أتمتع بتلك الحصانة التي تطلق لساني في وصف ما يحدث، لا أملك مستندات تدين شخصا أو أكثر، لكنني أعيش واقع الناس أتنفس همهم اليومي، أعاني مثلهم تماما، أبحث عن تلك العدالة المزعومة في توزيع الثروة، والمساواة في فرص المشاركة السياسية.. فأجدها أصبحت مثل الأساطير التي تفصلنا عن الواقع الكئيب.

أتعس وضع للمواطن أن يشعر أنه بلا حول ولا قوة، إنه مجرد شاهد علي المزاد العلني، والبيع البخس لثروات البلد، لكنه عاجز عن مقاومة عاصفة الخصخصة، لقد أصبح وجودنا ضرورة حتي يكون هناك شعب للحكام، لابد من وجود مظلومين ليستمر مسلسل الاستغلال.

نحن أيضا معروضون للبيع في سوق النخاسة الجديدة، لأننا نسدد الفواتير للملاك الجدد من دمنا وأعصابنا، إنهم ملاك أشبه بمصاصي الدماء لن يتركونا قبل أن يمتصوا آخر قطرة من رحيق أزهارنا، ويشتروا حتي أكبادنا، ثم يشعلوا الحرائق فيما تبقي من نسلنا وزرعنا، وساعتها سيتحول الرق إلي واقع.

في فيلم «عايز حقي» جمع البطل «هاني رمزي» توكيلات من ٥١% من أفراد الشعب ليبيع أملاك البلد في مزاد علني تتوافر فيه الشفافية، لكن الوطن بيعت أصوله دون توكيل من أحد ودون شفافية، ومن يسعي للحصول علي حقه الآن، فعليه أن يواجه الملاك الجدد، فمن منكم يجرؤ علي المواجهة؟!

0 comments :

إرسال تعليق