د . أسامة الغزالي حرب يكتب: لماذا حزب الجبهة الديمقراطية؟ (٣)

المصرى اليوم

مرت عملية إنشاء حزب الجبهة الديمقراطية بعدة مراحل، أولاها: مرحلة المشاورات التمهيدية بين المجموعة الأولي من المؤسسين، وهذه امتدت لحوالي أربعة أشهر من يناير إلي أبريل ٢٠٠٦، وانتهت بالإقرار النهائي لفكرة بناء حزب ديمقراطي ليبرالي تحت اسم حزب (الحرية والعدالة).

المرحلة الثانية: هي العمل التحضيري لبناء الحزب (جمع الحد الأدني من التمويل، وإعداد المقر، ووضع أسس الهيكل التنظيمي والإداري) وامتدت لحوالي ثلاثة أشهر.

وفي ١٦ يوليو ٢٠٠٦، أعلنت المجموعة المؤسسة الأولي، في اجتماع بفندق شبرد، عن نيتها إنشاء الحزب، وأهم أهدافه، ودعت المواطنين المصريين للانضمام إليها لجمع العدد القانوني المطلوب للمؤسسين (ألف توكيل). ويذكر أنه في أثناء تلك المرحلة، تم تغيير اسم الحزب إلي «الجبهة الديمقراطية»، بعدما أعلن أحد المحامين أنه سبق إلي اختيار اسم «الحرية والعدالة» لحزب جديد يقوم بجمع التوكيلات له فعلاً.

لقد شارك عدد كبير من الشخصيات العامة في المشاورات الأولي حول الحزب. غير أن الذين استمروا منهم كأعضاء مؤسسين كانوا: د. علي السلمي - د. حازم الببلاوي - د. صلاح فضل - د. مصطفي كمال طلبة - د. سلوي سليمان - د. محمد غنيم - أسامة أنور عكاشة - محمد أنور السادات - أ. سكينة فؤاد - السفير: رؤوف غنيم - أ. كرم النجار - والإعلامي طارق عبدالجابر.

غير أن البناء الفعلي والمؤسسي للحزب، إنما قامت به نخبة أخري، شابة ومتفانية، لا يعرفها الرأي العام، ولكنها كانت القوة المحركة التي حولت فكرة الحزب إلي حقيقة واقعة، علي رأسها: خالد قنديل، ومحمد منصور حسن، وراوي تويج، ويحيي الغزالي.. جمعوا حولهم مجموعة من أفضل الشابات والشبان المصريين، فضلاً عن عديد من الرجال والنساء في جميع أنحاء مصر، الذين التفوا حول فكرة الحزب، وأخذوا علي عاتقهم تجميع توكيلات الحزب في محافظات مصر، من الإسكندرية إلي أسوان، وتوفير مقار مؤقتة للحزب فيها.

وهكذا، وفي ١٧ يوليو ٢٠٠٦ (اليوم التالي لمؤتمر شبرد)، بدأت المرحلة الثالثة والحاسمة لبناء الحزب، وفقاً لشروط قانون الأحزاب، أي تجميع ألف توكيل ووضع برنامج الحزب (أهدافه ومبادئه وسياساته)، وكذلك وضع اللائحة الداخلية. وبعد حوالي سبعة أشهر، وفي ٢٦ فبراير ٢٠٠٧، تسلمت لجنة شؤون الأحزاب عدد ١٥٠٠ توكيل (من بين ١٧٠٠ توكيل تم جمعها بالفعل، من ٢٤ محافظة، تعدت ١٣ محافظة منها الـ٥٠ توكيلاً) وبرامج الحزب، ولائحته الأساسية، قبل أن تعلن موافقتها - في ٢٤ مايو - علي قيام حزب الجبهة الديمقراطية.

لقد كان من المنطقي تماماً أن يثور التساؤل: لماذا وافقت لجنة الأحزاب علي حزب الجبهة الديمقراطية بهذا الشكل غير المسبوق تقريبا، بل أن تتولد الشكوك حول احتمال وجود «صفقة» ما مع الحزب الوطني؟ وفي الواقع، فإن هذا الاحتمال كان موضع مناقشة داخلية بين المؤسسين، خاصة في الأشهر الثلاثة بين تقديم أوراق الحزب وقرار اللجنة، وبالذات بعد المقابلة التي جرت مع وكيلي المؤسسين (د. يحيي الجمل وكاتب هذه السطور)،

فالحزب قدم أوراقه بصورة مستوفاة وكاملة ومنظمة، بحيث لم تستبعد اللجنة - وفيها خبراء محنكون- من الـ١٥٠٠ توكيل إلا توكيلاً واحداً (صادر من قنا، غير واضح الختم)، والبرامج كانت محل قراءة وفحص دقيقين من جميع أعضاء اللجنة، والمناقشة التي جرت بين اللجنة (خاصة أ. صفوت الشريف والسيد حبيب العادلي ود. مفيد شهاب) ووكيلي المؤسسين، كانت مناقشة طويلة وجادة (بل وحادة في بعض الأحيان )، ولكنها انطوت علي تقدير إيجابي لا يمكن إنكاره.

وبالنسبة لي شخصيا، أصبحت الموافقة علي الحزب احتمالا قويا، بناء علي تقديرات سياسية صرفة. ففي أسوأ الأحوال، فإن حكومة الحزب الوطني - شأن أي حكومة أيا كانت سلبياتها- يهمها بين الفينة والأخري، أن تسعي إلي تدعيم مصداقيتها - داخلياً وخارجياً - وإلا فلماذا ساندت الحكومة إصدار وثيقة الإسكندرية الشهيرة، التي دعت بلا لبس أو مواربة إلي الإصلاح الشامل؟ ولماذا أنشأت مجلس حقوق الإنسان؟

ولماذا بادرت بالدعوة لتعديل الدستور (بصرف النظر عن المآل البائس لتلك الدعوة !!)؟ ولماذا تترك الحكومة الآن صحفاً، ومحطات فضائية تنتقدها بحرية وبشكل لاذع وحاد في كثير من الأحيان؟ النظم اللاديمقراطية كثيراً ما تسلك مثل هذا المسلك، أولا لتحسين صورتها، وثانياً - وذلك الأهم - لأنها تتصور (أو تأمل!) أن المسألة يمكن أن تظل محصورة في نطاق إفراغ شحنة من الغضب، أو إلهاء مجموعات المثقفين والمشاغبين بأنشطة زاعقة، محدودة ومحكومة! هذا طبعاً إذا استبعدنا أي نية جادة للإصلاح لدي الحزب الوطني أو علي الأقل لبعض الأجنحة فيه!

إضافة إلي ذلك، توافرت مجموعة من الظروف الموضوعية في اللحظة التي قدم فيها حزب الجبهة الديمقراطية أوراقه، ربما سهلت الموافقة عليه! فقبلها بحوالي شهر، كانت لجنة الأحزاب، قد رفضت طلبات ١٢ حزباً مرة واحدة، الأمر الذي يصعب معه إضافة رفض جديد لحزب آخر، خاصة أن ذلك الحزب توافرت له درجة من المصداقية المعقولة لدي الرأي العام. من ناحية ثانية، جاء تقديم أوراق الحزب الجديد في خضم معركة أخذت تتصاعد بين الحزب الوطني والإخوان المسلمين، الأمر الذي يدفع لتشجيع وجود قوي جديدة موازنة في هذا الاستقطاب. وأخيراً، حان وقت قرار لجنة الأحزاب بعد أقل من شهر من فوز مصر بعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الأمر الذي يصعب معه تصور أن تستهل عضويتها فيه برفض قيام حزب سياسي جديد وجاد.

غير أننا نعتقد أن هناك أسبابا أخري تتعلق بحزب الجبهة الديمقراطية ذاته (أي في تشكيله وبرامجه)، تجعل منه حزباً جديراً بقبوله، كفاعل جاد علي ساحة السياسة المصرية.

فمن حيث نوعية الأعضاء المؤسسين لهذا الحزب، ذهب البعض إلي أنها توحي بأنه سوف يكون حزبا «نخبوياً»، لا علاقة له بالجماهير أو بالشارع! وهذا بلاشك حكم غير دقيق ومتسرع. غير دقيق، لأن من بين المؤسسين الحاليين (حوالي ٢٠٠٠ مؤسس)، لا يمكن إطلاق تعبير «النخبة» إلا علي نسبة ضئيلة، لن تزيد علي ١٠% مثلا! اللهم إلا إذا كان المقصود بالنخبة، هو كل من كان يحمل مؤهلا عالياً، فهؤلاء نسبتهم في المؤسسين لا تقل عن ٦٠%. وهنا ترد ملاحظتان،

أولاهما، أن الدلالة الاجتماعية الأعمق لتكوين المؤسسين هي انتماء غالبيتهم الساحقة إلي الطبقة المتوسطة، وهذه حقيقة تنطبق علي تكوين كل الأحزاب السياسية منذ عرفتها مصر قبل مائة عام. أما الملاحظة الثانية، فهي أنه من الطبيعي أن يبدأ أي عمل حزبي - مؤسسي- «بنخبة معينة». أما الأمر غير الطبيعي، بل والسلبي، فهو أن ينتهي هذا العمل لأن يظل مقصورا علي تلك النخبة!

أما من حيث برامج الحزب فقد تم إعدادها بعناية كبيرة، وشارك فيها عدد كبير من المؤسسين ذوي الاختصاص في الموضوعات المعنية. ومع أنه كان هناك حرص شديد، علي أن تعكس برامج الحزب مبادئه وأهدافه الديمقراطية الليبرالية، فإن النقطة الجديرة بالإشارة إليها هنا، هي حرص الحزب علي أن يستفيد في وضع تلك البرامج، ليس فقط من أفكار وخبرات مؤسسيه، وإنما أيضاً أفضل الخبرات المتاحة في المجتمع المصري، كل في مجاله، فاستفاد الحزب في وضع برنامجه في مجال الصحة بخبرة د. سمير فياض نائب رئيس حزب التجمع،

وكذلك د. طارق الغزالي حرب مدير مستشفي الهلال، وفي وضع برنامج الإسكان بخبرة الوزير م. حسب الله الكفراوي، وفي وضع برنامج التعليم بخبرات شيخ التربويين المصريين د. حامد عمار وأفكار د. كمال مغيث، وفي مشروع توشكي بخبرة د. ممدوح حمزة، وفي الشأن السوداني بخبرة أ. هاني رسلان.

وهكذا، وبعد مقدمة قصيرة وتمهيد يضع «إقامة نظام ديمقراطي ليبرالي» علي رأس أولويات الحزب، تحددت مبادئ الحزب في خمسة: «الحرية - العدالة - المواطنة - الدولة المدنية - والمسئولية التاريخية لمصر». وشملت أهدافه: التحول السريع والجذري نحو نظام ديمقراطي حقيقي في مصر، والمواجهة الجادة والحاسمة للفساد، وإعادة النظر في السياسة الاقتصادية بما يسمح بمواجهة أكثر جدوي وجدية لمشكلة البطالة ، والقضاء علي الأمية، والإصلاح التعليمي، والتنمية الثقافية،

والقضاء علي جميع صور التمييز الديني، وإزالة أي نوع من التفرقة بين المواطنين، وتوفير حد أدني كريم من الرعاية الصحية للمواطن، والنهوض بالرياضة والتربية البدنية، وتوفير المسكن الملائم، والضمان الاجتماعي للفقراء، والنهوض بالمرأة، وتحسين البيئة، وإحياء مكانة مصر ودورها التاريخي. وشملت برامج الحزب كلا من السياسة الداخلية، والاقتصادية، والتعليم والبحث العلمي، والصحة، والإسكان والعمران، والثقافة والصحافة والإعلام، والبيئة، والرياضة، والأمن القومي والسياسة الخارجية.

وأخيراً، وردت «برامج خاصة» شملت: موقف الحزب من الإصلاح الدستوري، وإحياء مشروع توشكي، ومواجهة المشاكل الصحية العاجلة، وبرنامجا لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، وإعادة هيكلة التربية الوطنية، ثم ملحقاً خاصاً عن السياسة المصرية تجاه السودان، وشارك في وضع هذه البرامج من مؤسسي الحزب: د. حازم الببلاوي - د. سلوي سليمان - د. مصطفي كمال طلبة - د. صلاح فضل - د. محمد غنيم - د. حبيبة علي حسن - د. عمرو عبدالقوي - أ. حسان الشبراوي - السفير: رؤوف غنيم - شهيرة قدسي - خالد قنديل.

علي أنني أعتقد أن فاعلية حزب الجبهة الديمقراطية، وقدرته علي إثبات وجوده علي الساحة المصرية، ترتبط بعوامل إضافية شديدة الأهمية:

أول هذه العوامل أننا إزاء حزب يولد كاستجابة طبيعية لحاجة موضوعية ملحة في المجتمع المصري، في لحظة مفصلية من تطوره السياسي، للانسلاخ من نظام قديم لا ديمقراطي، والتحول إلي نظام ديمقراطي حقيقي، باعتبار أن هذا التحول الديمقراطي، هو الشرط الأصيل لاستعادة قدرات مصر وإنهاضها. وبعبارة أخري، فإننا إزاء حزب لا يمثل امتداداً لقوي قديمة آفلة، وإنما يعبر عن قوي جديدة مشرقة.

ثاني هذه العوامل: إن تأسيس هذا الحزب منذ أيامه الأولي، لا يمكن أن يعزي إلي فرد واحد أو مجموعة صغيرة من الأفراد، ولكنه نتاج جهد جماعي، وتوجه مقصود، لأن يكون «مؤسسة» سياسية بكل معني الكلمة.

وأخيراً، فإن هناك تصميماً علي أن يكون حزب الجبهة الديمقراطية كياناً ديمقراطياً ليبرالياً حقيقياً، في بنائه وتنظيمه وعمله الداخلي، قبل أن ينادي بالديمقراطية الليبرالية، باعتبارها السبيل الوحيد الآن والعاجل لإنهاض مصرنا الغالي

0 comments :

إرسال تعليق